الشيخ محمد هادي معرفة

347

تلخيص التمهيد

يَخْتَصِمُونَ . تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ . وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ . فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ . وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ . فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » « 1 » . قال ابن الأثير : هذا كلام يُسكر العقول ، ويُسحر الألباب ، وفيه كفاية لطالب البلاغة . فإنّه متى أنعم فيه نظره ، وتدبّر أثناءه ومطاوي حكمته ، علم أنّ في ذلك غنىً عن تصفّح الكتب المولّفة في هذا الفن . ألا ترى ما أحسن ما رتّب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين ، حين سألهم أولًا عمّا يعبدون ، سؤال مقرّر لا سؤال مستفهم . ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، وعلى تقاليد آبائهم الأقدمين فكسّره ، وأخرجه من أن يكون شبهة ، فضلًا عن أن يكون حجّة . ثمّ أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لا تجب العبادة إلّاله ، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلّاإليه ، فصوّر المسألة في نفسه دونهم بقوله : « فإنّهم عدوٌّ لي » على أني فكّرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة لعدوّ وهو الشيطان فاجتنبتها ، وآثرت عبادة من الخير كلّه في يده . وأراهم بذلك أنّها نصيحة ينصح بها نفسه ، لينظروا فيقولوا : ما نصحنا إبراهيم إلّابما نصح به نفسه ، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله ، وأبعث على الاستماع منه . ولو قال : فإنّهم عدوٌّ لكم ، لم يكن بتلك المثابة . فتخلّص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر اللَّه تعالى ، فأجرى عليه تلك الصفات العظام ، من تفخيم شأنه وتعديد نِعَمه ، من لدن خلقه وأنشأه ، إلى حين وفاته . مع ما يرجّى في الآخرة من رحمته . ليعلم من ذلك أنّ مَن هذه صفاته حقيق بالعبادة ، واجب على الخلق الخضوع له والاستكانة لعظمته . ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه ، فدعا اللَّه بدعوات المخلصين ، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين . لأنّ الطالب من مولاه إذا قدّم - قبل سؤاله وتضرّعه - الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة ، وأنجح لحصول الطلبة .

--> ( 1 ) . الشعراء : 69 - 102 .